القايد محمد مغنوج الكبداني يعود الى الذاكرة

نورالدين شوقي

ينحدر محمد بن البشير مغنوج من فرقة إمغناج برأس الماء التابعة جغرافيا لقبيلة كبدانة، وقد حمل إسم فرقته طوال حياته إعتزازا وإفتخارا بألإنتماء الى هذه العائلة الكبيرة التي أنجبت العديد من المقاومين وأهل الرأي، وإن كنت أجهل تاريخ ولادته والمراحل التي قطعها في دراسته، فإن الرجل إختار مهنة القيادة والقضاء من أجل ألإصلاح وخدمة المجتمع الكبداني.
ففي فترة قيادته لم يكن القايد محمد مغنوج يقبل تدخل أي تعليمات خارجية في تسيير شؤون الدائرة التي كان يديرها، بل كانت طريقته في التسيير تعتمد على حسه وتجربته الذاتية بحكم معرفته الشديدة بأحوال الناس وأعرافهم المتبعة.

وفي زمن ألإدارة المخزنية الغائبة الحاضرة عين محمد مغنوج قاضيا على منطقة كبدانة بحكم شخصيته وقوته التي كانت تكمن في بعد رؤيته وكذا تمكنه من ألأحكام الشرعية، إضافة الى مستواه المعرفي ، فبعد توليه هذا المهام أصبح القاضي يفصل بين الناس في الخصومات والمنازعات خاصة في أحوال ألإرث والمصاهرة … إلا أن هاتين المهنتين لم تمنعاه من ممارسة نشاطه كداعية إصلاحية منبها الناس الى ما يجب القيام به ضد ألإستعمار والى التمسك بالمباديء ألإخلاقية والتظامنية وفعل الخير، وهذه هي مبادئه التي ستتاح له الفرصة لاحقا بتطبيقها.
ومن أبرز أعماله في إطار المقاومة [..] تأسيس حركة لطرد ألإسبان من رأس كبدانة مع الشريف محمد أمزيان سنة 1908م حينما كان هذا ألأخير منفيا من قبل السلطات ألإسبانية من قبيلة قلعية وسمح له بألإستقرار في رأس الماء [1] وكانت ألإعتداءات ألإسبانية المتكررة على البلدة سببا كافيا لمحمد مغنوج للعمل على تأسيس تنظيم مسلح لمقاومة هؤلاء الغزاة، وعلى وقع هذا المشروع بدأ بن البشير في تحميس الناس مبكرا للتصدي ومواجهة ألإحتلال ألأجنبي.
وبعد خلق القلاقل وألإضطرابات للقوات ألإسبانية في البرج بدأت سلطات مليلية تشك في محمد أمزيان ما جعل هذه [..]السلطة تلقي القبض عليه لتودعه في سجن مليلية بتهمة مساعدة محمد مغنوج بتكوين حركة ضدها[2] أما القاضي فقد أصيب بخيبة أمل بعد أن فقد أحد أبرز معاونيه لذا قرر الصعود الى الجبل لمواصلة الكفاح و تحريض الناس ضد ألإسبان مع أخذ الحيطة والحذر على أن لا يأسر.
وعلى هذا العهد كان رجل قد عظم أمره في منطقة الريف بسبب كثرة جنوده ووفرة عتاده يدعى بوحمارة، حيث كان يتلقى أموالا ومؤنا من المعمرين الفرنسين بالجزائر لغرض السماح لهم بألإستغلال التجاري لمنطقة الشمال الشرقي كما عزز علاقاته بالجنرال ألإسباني مارينا وذلك بإبرام إتفاقيات لإستغلال معادن مناجم الريف الساحلية مقابل أن يحصل هو على الدعم العسكري والعتاد الحربي فضلا عن الدعم السياسي، وبتوالي هذه ألأحداث، جعل المخزن ينزل بقوة على ضفاف نهر ملوية ويعيد هيبته أمام قبائل الريف التي بدأت في ألإنقلاب على بوحمارة ومبايعة مولاي عبد الحفيظ، وهذا ما سيزعج بوحمارة، زيادة الى صدمة التصريح الرسمي لحكومة إسبانيا التي قالت فيه ” إن إسبانيا قررت أن تبقى محايدة في هذه الحرب المدنية الجارية بين المغاربة” إضافة الى هزيمته أمام أيت ورياغل، ما جعله يتراجع الى سلوان وهو مهزوما شر هزيمة، وعلى وقائع هذا الحال خرج الشريف محمد أمزيان من سجن مليلية ليبدأ في إستقطاب المقاومين من جديد لنصرة إخوانهم الذين عانوا من بطش الروكي، وبحكم أمزيان كان له دور سياسي تعبوي مهم فقد إستطاع أن يجمع اليه خمسة عشرة قبيلة، ومنها قبيلة كبدانة والتي كان له فيها معارف كثيرة[..] خاصة وأن زوجة الشريف كانت من أصول كبدانية حينذاك ما حبب لأمزيان أن يقربهم إليه أكثر[3] – ويقال أن محمد مغنوج هو الذي زوج الشريف وخط بيده عقد الزواج – إلا أن ألإسبان بدؤوا[..] يشكوا في تنقلات أمزيان ما دفعهم الى إلقاء القبض عليه وإقتياده الى مليلية لشرح موقفه، وهناك أقر بأنه يعمل ضد بوحمارة وليس ضد ألإسبان[4] غير أن أمزيان كان يهادن هؤلاء بتصريحاته هاته الى حين ألإطاحة بالروكي.
ومع بداية شهر أكتوبر إجتمع بزعماء القبائل الخمسة عشرة ليقروا محاصرة قلعة سلوان وبدأ الحصار أواخر أكتوبر ليستمر الى متم نوفمبر حيث سيطلب بوحمارة من أمزيان السماح له بمغادرة سلوان في إتجاه الضفة ألأخرى من نهر ملوية، وبعد مرور شهرين على فراره ألقي القبض عليه من طرف قوات المخزن يوم 21 غشت 1909 وأعدم بفاس 13 شتنبر.
وسيرا على أثر هذه الملحمة التاريخية عمد أمزيان الى تأسيس حركة مسلحة لوضع حد لطموحات ألإسبان التوسعية فقرعت طبول الحرب من جديد إيذانا ببداية الهجوم على ألإسبان[..] وكان المقاتلون يعدون بعشرين ألفا في منطقة الريف ما جعل الجنرال مارينا لم يجرؤ على مواجهتها فإكتفى بإطلاق قذائف من مليلية لإحباط محاولة المقاومين خوفا من التجمع حول المدينة الى حين وصول ألإمدادات ليصل جيشه الى أربعين الفا[5] إلا أن في شهر يوليوز قرر مارينا الصعود الى جبل غورغو وتمة وجد جنود أمزيان في إنتظاره وكانت النتيجة مقتل سبعة ضباط والميئات من القتلى والجرحى… وهكذا توالت العمليات الحربية وألإنتصارات لثوار الشريف … أما في أقصى جنوب شرق كبدانة حيث يتواجد القاضي محمد مغنوج فكان هذا ألأخير يعمل على إقناع الناس عن العدول بالتوجه الى القوات ألإسبانية لغرض ألإنخراط في الشرطة ألأهلية والتي أبدعتها إسبانيا لضرب المقاومين في أماكن متفرقة بالشمال وشرق الريف، كما كان يؤمن الطريق للثوارالمنضويين تحت لواء حركة محمد أمزيان بنقل السلاح في سرية تامة من قرب نهر ملوية مرورا بتلفراوت ووصولا الى منطقة قلعية.
أما المناطق الساحلية من كبدانة، فحينما وصولتها القوات ألإسبانية وجدت عساكر المخزن في محلاتها قد أنهكها التعب بسبب الحرب التي خاظتها ضد بوحمارة، زيادة الى تخلي المخزن عن مؤنه ومساعداته لهذه المراكز، ما سهل الطريق للقوات قائد الجيوش ألإسبانية أغلييرا بالتوغل أكثر في محيط كبدانة من بابها الغربي، وذلك بدءا من لاربع أركمان ونواحيها ثم مرورا بفرقة البركانين ووصولا أخيرا الى رأس الماء، وبعد أن تحكم الإسبان في كل هذه الأجزاء خططوا لضم ما تبقى من القبائل الجنوبية المحاذية لنهر ملوية، لذا عمدوا الى فتح جبهتين لغزو هذه المناطق الأولى.
إنطلقت من سلوان في إتجاه زايو والنواحي والثانية من رأس الماء في إتجاه أولاد داوود، بني بوعبد السيد، كارمة، تزاغين، دردر، جبارا، وتلفراوت .. وكان يتزعمها أنذاك الكولونيل لارايا.
وفي صبيحة أحد ألأيام من [..]سنة 1909 إنطلق الكولونيل لاريا مع فيلقه إضافة الى 700 جندي من “فوج أفريكا” لغزو المناطق التي ذكرناها سالفا، وبعد أن وصلوا الى هناك بدؤوا في جرد السكان من أسلحتهم وممتلكاتهم زيادة الى فرض الغرامات عليهم ما حدث على إثرها إستسلام كلي للقبائل المحاذية لنهر ملوية، بإستثناء دواوير تلفراوت فإن قاطنيها فضلوا الهروب الجماعي نحو مناطق الحماية الفرنسية [6]بحكم منطقتهم كانت تعتبر القاعدة السرية للمقاوم محمد مغنوج ولثواره الذين كانوا يسلمون ألأسلحة لجنود أمزيان ما جعل ألأهالي يلجأون الى الضفة ألأخرى خوفا من إبادة جماعية. وبدافع ألإنتقام [..]قام ألإسبان بهدم جميع منازل القاضي محمد مغنوج وحرق محاصيله الزراعية [7]والتي تركها خلفه كما ترك مهنتيه وفر مع ثواره نحو وجهة غير معلومة الى حين …

القاضي محمد مغنوج من خلال أرشيف الصحف ألإسبانية
في يوم السبت 11 سيبتمبر من عام 1909 كتبت صحيفة ا.ب.س ألاسبانية تقريرا تتحدث فيه عن هذا الهجوم وقد عمل الصحفي رويس البانيس والذي رافق هذه العملية منذ البداية وقام بنقل هذه ألأحداث بالتفصيل بألإشار الى هذا الحدث والى القاضي محمد بن البشير مغنوج.
ويقول نص التقرير بعد ترجمته الى اللغة العربية ما يلي :
“رويس البانيس الذي واكب الكرونيل لاريا خطوة خطوة لمدة ستة أيام أثناء عملية بأقصى يسار كبدانة زودني بتفاصيل جد هامة..
التوسع إمتد الى 80 كلم منها 15 كلم متوازية مع ساحل مليلية و 10 كلم داخل جبال كبدانة حيث تمكنوا من الوصول الى علو 700 متر. بعدها نزلوا الى غاية نهر ملوية بعد حلولهم بسهول كارمة على بعد 40 كلم من فم ملوية بعدها صعدوا مرة أخرى على ضفاف النهر مسافة 30 كلم ثم أضافوا 15 كلم أخرى الى غاية الرجوع الى رأس الماء.. الفيلق مرعبر قبائل وجماعات و قرى البرج وأيديم وأولاد الحاج و بني قياطين وأولاد داود وبني بوعبد سيد و كارمة ودردر و تازاغين وجبارة وتالفروت، وتم جمع 12 بندقية و 60 رأس من الماشية كدفعة أولى للغرامة.
وبالقرب من سيدي ميمون حسان كان هناك مورو معتقلون من قلعية ضبطوا مع عدة بغال في طريقهم لشراء المؤونة للثوار الذين يقودهم أمزيان ببويفرور.
الحملة تمت بدون أية طلقة رصاصة، باستثناء دواوير تالفروت فإن كل القبائل والجماعات إستسلمت بدون شروط معبرة عن رغبتها في السلم والصداقة،
كل سكان تالفروت فرت عند وصول الجيوش عبر نهر ملوية مخترقين ألأراضي الفرنسية.
الفيلق العسكري قام بتدمير المنازل والمحاصيل الزراعية للقائد مغنوج والقادة المتمردين الذين فروا حسب كلمات الجنرال مارينا فإن العملية التي تمت بقيادة الكرونيل لاريا ذات أهمية جد كبيرة نظرا لأنها جلبت السلم بكامل المنطقة الغربية لكبدانة ومنعت السكان من ألإلتحاق بالثوار ومن حدوث إضطرابات قد تشتت قواتنا ..
الكورونيل لاريا جلب معه 700 رجل من فوج أفريكا كلهم أدوا مهمتهم بشجاعة متحملين بشكل رائع مشاق الطريق في بلد غير معروف وغير مضياف. الفرقة العسكرية ستبدأ غدا مسيرة أخرى انطلاقا من رأس الماء لكي تنظم الى فرقة الجنرال أغيليرا.”
النص الاسباني كما هو في النسخة المرفوقة.

Ruiz albeniz, que ha seguido paso a paso al lado del coronel larrea la operacion realizada por la columna durante seis dias por la exterma izquierda de quebdana, me ha referido interesantisimos detalles.
La extension recorrida ha sido de 80 kilometros .15 paralelos à la costa de melilla ; 10 atravesando la cordillera de quebdana, en donde llegaron à alcanzar alturas de 700 metros. Por los llanos de el garma descendieron después al rio muluya, à 40 kilometros de su desmbocadura ; subieron luego otra vez bordeando la orilla 30 kilometros, màs otros 15 hasta regresar à cabo agua . la columna atraveso las cabilas, fracciones y poblados de el borsh, aiedim, ulad alhaj, bni kiaten, eulad daoud, bni bu abd said, el garma, dardar, tazaguin, jbara, y talfrut
Apresàronse seis jerifes, se recogieron doce fusiles y sesenta cabezas de ganado como anticipo de pago de multas
En las proximidades de sidi mimoun hassan fueron presos dos moros de guelaya que con varias acémilas iban à comprar provisiones para la harca rebelde que acaudilla Mezian, de beni buyfrur
La expedicion se llévo à cabo sin disparar un tiro. Todas las cabilas y fracciones, excepto los aduares del valie de talfrut, se sometieron incondicionalmente con grandes demostraciones de paz y de hamistad. En talfrut todos los habitantes habian huido cuando hegaron los soldados, atraversando el rio muluya é internuàndose en territorio francés
La columna destruyo las casas y arraso las cosechas del caid Maganus y de los demàs jefes rebeles que habian huido
La operacion realizada por la cronel larrea, segun palabras del propio general marina, tiene grandisima importancia por haber pacificado con ella toda la parte Oeste de quebdana, evitando que sus habitantes se unan à la harca y provoquen nuevo disturbios que distraigan à nuestras tropas
El coronel larrea llevaba 700hombres del regimiento de africa ; todos se han conducido bravamente, sopotando de manera admirable las penalidades de una marcha durisima por un pais desconocido é inhospitalario
La columna iniciarà manana otras marcha, saliendo nuevamente de cabo agua para unirse à la columna del general aguilera. ( A B C sabado 11 septiembre de 1909.Edicion 1-a pag.6)

ختاما وبعد عرضنا لبعض مراحل حياة هذا المقاوم إلا أننا لا نستطيع أن نعد عدد التضحيات التي قام بها القاضي مغنوج من أجل تحرير البلد من ألإستعمار خاصة وأنه كان ينوي تأسيس جبهة قوية مع محمد أمزيان في المناطق الشمالية الشرقية بالمغرب لطرد القوات ألإسبانية منها وهذا هو الحلم الذي عمل القاضي من أجله إلا أنه لم يكتمل مع مقتل الشريف أمزيان في 15 ماي 1912…
هذه المعلومات من المراجع التالية :

[1]- [2] – د.حسن الفكيكي – كتاب الشريف محمد أمزيان شهيد الوعي الوطني 1908- 1912
مطبعة ربانيت –الرباط – الطبعة ألأولى 2008
[3] – كتاب الكشف والبيان عن سيرة بطل الريف سيدي محمد إمزيان وإخبار مقاومته هو
وإخوانه الريفين- الحاج العربي الورياشي – تطوان – الطبعة ألأولى سنة 1976
[4] – حقائق مثيرة عن حرب إسبانيا في شمال المغرب مقاومة عبد الكريم الخطابي كانت في
سياق الحركات ألإستقلالية ضد ألإستعمار- كتاب ترجمته الدكتورة كنزة الغالي لمؤلفته
ألإسبانية ماريا روسا ديي مادارياغا
[5] – مقال لصحيفة “شيكاغو تريبون “الصادرة في 26 يوليوز 1909 تحت عنوان “المغاربة
يستعدون للمعركة ..المقاتلون يعدون بعشرين ألفا في منطقة الريف وإمدادات ضخمة ينتظرها الجنرال ألإسباني” نشر في جريدة تيفراز بالعربية ل.ذ محمد الداودي- فبراير 2009 العدد 39 الصفحة 11
تحت عنوان ” الريف بعيون أمريكية”المقاومة في الريف سنة 1909 من خلال الصحف ألأمريكية.
[6] – [7] صحيفة ا.ب.س الصادرة يوم السبت 11 سيبتمبر سنة 1909 العدد1- a الصفحة6
+ روايات

تعريفات وشرح بعض المصطلحات
فوج أفريكا مغاربة موالون للقوات ألإسبانية
تزغين الفواكه الجافة بألأمازيغية
دردر شرب الماء تباعا “”””
كارما القصب الذي ينبت على ضفاف ألأنهار “””
المورو
قبيلة أمازيغية كبيرة في المغرب القديم وقد ذكرت عند المؤرخين القدماء بأسماء مختلفة
كمورنسي وموري ومورسيي ومنها إشتق إسم موريطانيا ومع مرور الزمن إتسع مدلول كلمة المور لتصبح لكلمة إفريقي وقد حافظ ألإسبان على هذه الكلمة ومنحو لقب الموروس للمغاربة بمعنى سكان الغرب نقلا عن الرومان وهي كلمة غير جارحة ولا تعني ألإنسان الجدار كما يعتقد البعض.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *