برج المراقبة أو ما يسمى أيديم بمنطقة كبدانة

نور الدين شوقي

إن الحديث عن أبراج المراقبة (إيدمان) كبقايا النظام الدفاعي التقليدي وكمبان عمرانية وظواهر تاريخية يكتسي أهمية أثرية وتاريخية كبيرة لكونها كانت تلعب أدوارا سياسية دفاعية حتى ماض قريب بمنطقة كبدانة الواقعة في أقصى الشمال الشرقي من المغرب، وكانت هذه المباني تستخدم للدفاع والمراقبة والحراسة في فترات غياب ألأمن بالمنطقة.

أصل التسمية

البرج أو”أيديم” باللغة ألأمازيغية يمكن تحديده بالرجوع الى الجدر الذي ينتمي إليه ألا وهو ( ي- د-م)وهذا يتضمن معنى ألإرتفاع والعلو المشرفين على مناطق واسعة مجاورة، وقد لاحظ عدد كبير من الباحثين والمؤرخين أن كل الكلمات التي تدخل مادة ( ي-د-م) او ( ك-د-م) وهي كثيرة في مناطق مختلفة بالمغرب، تتشابه كلها في وظيفتها ألإجتماعية ألا وهي =الحراسة والترصد، لكنها تختلف في أشكالها الطبوغرافية من منطقة الى أخرى، ومن الدلائل الواضحة على المدلول الوظيفي للكلمة إستعمال لفظ أيديم أو أكديم لتدل على برج المراقبة عند غالبية ألأمازيغ بالمغرب.

من الناحية التاريخية

من الصعب جدا معرفة وتحديد تاريخ هذه المؤسسات القبلية وهذه ألأنماط المعمارية الفريدة من نوعها بمنطقة كبدانة، وذلك راجع الى قلة الدراسات ألأثرية المكتوبة سواء كانت محلية أو أجنبية، إلا أنه رغم ذلك نجد إشارات مختلفة خاصة في الروايات الشفوية المحلية، والتي لا نستطيع إنكار واقعها التاريخي بمجرد غياب أي أثر مدون عنها فالفراغ لم يكن في الواقع وإنما في ألأدبيات، كما لا يعني هذا غياب أية معالم يمكن أن تدلنا بشكل مطلق، بل هناك بعض المصادر الموثوقة سنعول عليها في إستقرائها. وبحكم تاريخ هذا التفاعل الحضاري بين العناصر المستقرة داخل التركيبة البشرية للبدة تناقل إلينا عبر العصور شفاهيا تبقى الذاكرة الجماعية هي السبيل ألأوحد وألأول لتاريخ هذه ألأبراج بالمنطقة.

إيدمان في الرواية الشفوية

تقول الرواية الشفوية أن لهذه المباني (أي ألأبراج) تاريخ عريق بالمنطقة، إذ كانت تشيد من قبل السكان لغرض منع قراصنة البحر من النزول الى البر لسرقة أغراضهم ومنتوجاتهم الفلاحية، وكانت جزر إشفارن (القراصنة) أوالشفارين كما يسميها ألإسبان تعتبر موطنا ومعقلا لهذه المجموعات منذ زمن بعيد، ووظيفتها كانت تتجلى في مهاجمة السفن التجارية المحملة بالبظائع للاستفادة من الغنائم أو لفرض إتاوات على ربان هذه السفن للسماح لهم بالمرور الى وجهتهم المقصودة خاصة المتجهون نحو شمال الجزائر وطرابلس.. وتضيف الرواية أنه كان في حال تعرض القراصنة لمقاومات متتالية من قبل حراس السفن يلجأ هؤلاء الى غزو ساحل المتوسط قبالة بلدة كبدانة، للبحث عن المؤن والطعام ما كان سببا كافيا لأهالي المنطقة في بناء هذه ألأبراج للتصدي لأي هجوم محتمل من طرف هؤلاء أو من غيرهم…

إيدمان في الرواية التاريخية الموثقة

من ألإشارات ألأولى المدونة حول موضوع أبراج المراقبة بمنطقة كبدانة تعود للمخبر أوجيست مولييراس التي ذكرها في كتابه المغرب المجهول الجزء ألأول – إكتشاف الريف -1872- 1893

الصفحة 181 حيث قال” …وعلى ساحل قبالة الجزر الجعفرية المحتلة من ألإسبان أقام ألأهالي مراكز يتواجد بها حوالي مائة رجل لمنع أعدائهم من النزول الى البحر..” وبإمعان النظر في كلام مولييراس نجد أنه سمى هذه ألأبراج ب “مراكز” وفي صيغة الجمع، ما يدل على أنها كانت تتواجد هناك بكثرة

أما ألإشارة الثانية الى إيدمان فلقد وردت في كتاب –المعلمة – للدكتور حسن الفكيكي وهو يتحدث عن أمحمد بوصفية حينما عينه السلطان مولاي الحسن ألأول فيما بين 1889-1892م قائدا على الفرق ألأربعة من أصل التسعة بكبدانة (أولاد الحاج – أولاد داوود –بني قياطن – الزخانين) وكلفه بمراقبة تجارة التهريب ويقول المؤرخ “…ومن أهم مهماته مراقبة تجارة التهريب الجارية بين القبائل وألإسبان بجزر كبدانة لما كان يهرب إليها من الحبوب وألأبقار … بمركز الحراسة يقع في رأس كبدانة بجنادة لكن السلطان أخذه على التقصير في العسة..”

وبإمعان النظر كذلك بما جاء به المؤرخ في كتابه نلاحظ أنه بدوره ذكر أحد أهم مراكز المراقبة بالمنطقة ألا وهو ” جنادة” إلا أن لفظ جنادة ظهر حديثا مقارنة مع أيديم الموغل في القدم

وجنادة إسم كان يطلق على مركز للحراسة يتواجد فيه جنود تابعين للقوات المخزنية كما أن قياد هذا المركز كانوا معينين من قبل السلاطين المغاربة، وبعد بحث عميق في أصل التسمية توصلنا الى أن جنادة ما هو إلا مكان خاص بالجنود وفيه تتم عملية التدريب والتجنيد وكذا الخدمات العسكرية وعليه سميت بهذا ألإسم . أما إضافة عبارة “لالة ” لجنادة والتي تعني لغويا “السيدة المحترمة” في اللغة ألأمازيغية فربما كان هذا من باب ألإحترام للمكان أو لإعتبارات أخرى لا نعلمها..

ولفظ جنادة كان ولازال يطلق على العديد من القلع تتواجد في مناطق مختلفة بالمغرب وتتشابه جميعها في وظيفتها ألا وهي الحراسة غير أن المراقبة فيها كانت تتم بجنود نظاميون موالون لسلطان ما، ومنها على سبيل المثال = لالة جنادة رأس كبدانة ولالة جنادة بالدارالبيضاء ولالة جنادة بفرخانة على حدود مليلية قرب جمعة سيدي ورياش…كما كانت هناك بعض المباني بكبدانة تقوم بدورالحفظ على ألأمن والحراسة كمحلة أركمان وجنادة برأس الماء والقلعة داخل مجال مدينة رأس كبدانة بموضع سوق الخميس حاليا.

غير أن أيديم أو البرج كان يختلف عنها كثيرا في التصاميم والمحتويات، إذ كانت القلعة و جنادة ولمحلة خاصة لجنود منضويين تحت سلطة ما وتظم بنايتهم العديد من الغرف منها ما هوخاص للمبيت و للذخيرة والسلاح وحجرات أخرى خاصة للمؤن. أما أيديم فهو بناية شيدت من طرف سكان البلدة للسبب نفسه لكنه لا يحتوي على بيوت، ومكان مبيت الحراس كان يبعد عن البرج ببضع أمتار وهو عبارة عن مخبأ تحت ألأرض، وتتم فيه العسة بالتناوب مع حمل السلاح.

الهندسة المعمارية لإيدمان القديمة

وكما ذكرنا سابقا فإن هذه ألأبراج كانت تشيد للحراسة والمراقبة وذلك من أجل مواجهة الهجمات الخارجية فكانت تقام منعزلة فوق ألأجراف العالية والمطلة مباشرة على البحر على طول الواجهة الساحلية لمنطقة كبدانة، أما طريقة بنائها فكانت تتم بطرق بدائية حيث يتم تشييدها بأحجار ثقيلة وصلبة زيادة الى نوع من ألأتربة أعدت خصيصا لهذا الغرض، كما أنها كانت تأخذ أشكالا دائرية وليس لها سقف وعلوها لا يتعدى القليل من ألأمتار لأن مكان بنائها كان يتطلب أصلا موقعا عاليا.

الهندسة المعمارية لإيدمان الحديثة

لقد شهدت إيدمان تطورا تاريخيا خاصة بعد وصول المستعمر ألإسباني إلى المنطقة (1909م)حيث شيد بعض ألأبراج بطريقة جديدة مخالفة للنمط التقليدي القبلي وبناها في مواقع يمكن من خلالها مراقبة وضبط تحركات القبائل في نطاق واسع، كما أنهم أقدموا على تخريب معظمها وعمدوا الى ترميم وإستغلال بعضها وإستوطنوا “لمحلات” والقلعات التي كانت تابعة للجنود المغاربة المواليين لسلاطين المغرب قبل وبعد الحماية . أما في عهد ألإستقلال وخاصة في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات فلقد فطنت السلطات المغربية للدور ألإستراتيجي لهذه المواقع ما جعلها تعيد بناء هذه ألأبراج لكن بهندسة مختلفة حيث تتميز عن سابقاتها بأشكال مربعة وعالية بعض الشيء ولها أبواب مطلة جهة البحر يمينا وشمالا وباب أخرى تفتح قبالة الجبل . أما طريقة الحراسة خاصة في السبعينيات فكانت تتم بالتناوب، إذ يتم تعيين حراس في النهار وأخرون بالليل ويتكلف رجل سلطة بتعيين هؤلاء ويكونون غالبا من شباب البلدة إلا أن هذا التقليد إندثر ولم يعد موجودا مع بداية الثمانينات لكنه سيعود مرة أخرى للوجود بعد أن وقع المغرب إتفاقيات مع ألإتحاد ألأوروبي للحد من تنامي ظاهرة الهجرة السرية وألإتجار بالمخدرات ولازالت تقوم بوظيفتها المنوطة بها الى حد اليوم. إلا أن هذه ألأبراج أصبح يطلق عليها اليوم في صيغة المفرد إسم “البوست” بدل” أيديم” وهو ألإسم القديم لها.

الخاتمة

إن هذا البحث بمثابة مقدمة للتفكير في مشروع شامل وطموح يأخذ بعين ألإعتبار هاجس رد ألإعتبار لهذه المعالم التاريخية بمنطقة كبدانة ليس فقط كمباني وتراث بل كمؤسسات إجتماعية ثقافية وسياسية ودفاعية متميزة .فكل بناية أو مؤسسة من هذا النوع أي أيديم +(البرج)+ تغنيمت(القصبة) +توجدة(القلعة)…يقتضي دراسة مفصلة تعتمد على توفير مجموعة من الشروط منها القيام ببحث خاص لكل معمار تاريخي مع القيام بتحريات ميدانية لمعاينة أهميته التاريخية والمعمارية ورد ألإعتبار إليه خدمة للتراث الطبيعي والثقافي للمنطقة ككل..

الهوامش

– كتاب المغرب المجهول الجزء ألأول – إكتشاف الريف -1872- 1893

أوجيست مولييراس.

كتاب –المعلمة – للدكتور والمؤرخ حسن الفكيكي

+ روايات




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *