هكذا كان الخطاب الملكي براغماتيا

المصطفى قلسمي*

رسم الخطاب وبدقة عالية الأهداف والوسائل للوصول إليها بطريقة علمية وعملية محددة في الزمن والأهداف من الملك إلى الفاعلين والمتدخلين في تدبير الشأن العام الوطني والمحلي على حد سواء: النواب والمنتخبين والحكومة وفق ما يخوله دستور المملكة من صلاحيات لجلالة الملك باعتباره الساهر على احترام الدستور وضامن دوام الدولة واستمرارها. فهو مالك السيادة في الدولة أي مؤسس الدولة وإليه يعود أمر إصلاحها باعتباره صاحب السلطة التأسيسية الأصلية السلطة التأسيسية الفرعية.

فالأهداف المسطرة غايتها ترسيخ دولة القانون ولا يمكن لأي من الفاعلين السياسين إلا أن يشارك فيها وأن يدعمها. فاليوم وفي ظل التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الدولية والوطنية برزت اختلالات واسعة ومشاكل متعددة كادت أن تعصف بالدولة الوطنية، لكن الحكمة البالغة لجلالة الملك والتي تميزت بالتريث وعدم اتخاذ قرارات متسرعة مكنته من وضع اليد على الأسباب الحقيقية للإشكالات و الإختلالات وتحديد المسؤولين عليها.

وحتى لا يعتقد البعض أن ما جاء على لسان صاحب الجلالة خطابا سياسويا فقد كان هادفا ودقيقا وكيف لا يكون ذلك فالملك يوجد فوق كل الفرقاء السياسيين. إن هذا الخطاب قد قطع مع الممارسات السابقة وأعلن عن مسيرة جديدة وفق إستراتجية قوامها؛ دولة القانون، الحكامة السياسية والحكامة الترابية، تدعيم اللامركزية والنهوض بالتربية والتكوين.

1_ ترسيخ دولة القانون وحمايتها

من خلال ترسيخ أسسها المتمثلة في سيادة القانون والتي عبر عنها جلالة الملك بربط المسؤولية بالمحاسبة. ومن خلال الاعتماد على الكفاءة والاستحقاق والذي أشار إليه جلالته بالابتعاد عن الرشوة والمحسوبية والتملق.

2_ اعتماد الحكامة في تدبير الشأن العام

إن جلالة الملك يجعل من الحكامة السياسية والحكامة الترابية منهجا في تدبير الشأن العام المغربي وطنيا وحتى على المستوى الدولي في سياسته الخارجية لذلك أشار إلى إحداث وزارة منتدبة لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون من اجل تتبع المشاريع الاستثمارية في إفريقيا وحتى في الدول الأخرى و لم لا. والجدير بالذكر أن هذه الحكامة لا يمكن أن تقوم بدون مقوماتها والتي هي كما يلي:

_أولا : التخطيط بمعنى رسم خطة قابلة للتحقيق محددة في الأهداف والزمن.

_ثانيا : الإشراك اي إشراك كل الفاعلين في العمل على تحقيقها.

_تالتا : التتبع الذي يعتبر من أساسيات انجاز هذه الخطة.

_ رابعا : المساءلة والمحاسبة.

_ خامسا : سيادة القانون أي تطبيق القانون، بمعنى أن تكون المرجعية هي القانون في الأفعال والمساطر وفي المخالفات للقانون.

3_ دعم اللامركزية.

إن اللامركزية هي أساس الديمقراطية المحلية ولا يمكن أن تنمو بدونها و هي أساس الديمقراطية الوطنية، لذلك ركز جلالة الملك على تدعيم إحدى مرتكزاتها ألا وهي الجهوية المتقدمة باعتبارها الوحيدة الكفيلة بحل المشاكل المرتبطة بالسكان وتلبية حاجياتهم، وهي تشكل إطارا لتدبير الشأن العام المحلي بامتياز، حيث يمكن للمواطن أن يلمس تطبيق القانون وأن يلمس كذلك مدى تلبية مطالبه وحاجياته.

4_إعادة الرابط الاجتماعي بين الدولة المجتمع.

إن أهم ما ميز المرحلة السابقة هو خلخلة الرابط الاجتماعي وتلعب التربية والتكوين دورا فاعلا فيه، فهي العنصر الحاسم في ترسيخ مقومات الدولة الحديثة وهي أساس وجودها، فإذا كانت المؤسسات هي الآليات التي تقوم عليها دولة القانون فالتربية والتكوين هي روح هذه المؤسسات وهي تتعلق بفئة اجتماعية وعمرية معينة وهي الشباب، وذلك من أجل الإدماج لذلك رغبة في تحسين وتطوير التربية والتكوين تحدث جلالة الملك عن المجلس الأعلى للشباب بمعنى وضع إطار مؤسساتي تناقش فيه كل قضايا الشباب من أجل معرفة تطلعاتهم. وبالتالي إدماجهم لتقوية هذا الرابط بين الدولة والمجتمع.

إن الأهداف التي رسمها جلالة الملك تنم عن نية صادقة في معالجة الإختلالات وتصحيح هذا الوضع، وأن الأيام القليلة المقبلة توحي وفق ما جاء في الخطاب بموسم سياسي مختلف وبتحول سياسي جذري في المغرب.

*أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة الحسن الأول بسطات




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *