لما لا أكون حتى أنا داعية .. أنصتوا رحمكم الله


نورالدين شوقي

الحمد لله الذي هدانا ولهذا وما كنا لنتهدى لولا أن هدانا الله الحمد لله الذي أنعم علينا بجيوش من الشيوخ والدعاة وبأكثر من المدرسين والأطباء والعاطلين عن العمل، لا شغل لهم إلا الوعظ والإرشاد والدعاء على الغرب الكافر وتصدر شاشات التلفاز وفي كل وسائل ألإعلام، غير تاركين شاردة وواردة دون حشر ألأنوف والتدخل فيها والإفتاء بها بدءا بتفسير ألأحلام وانتهاء بعلم الفيزياء، التي أفنى علماء الغرب جل أعمارهم في دراستها وقدموا خدمات جليلة للإنسانية وماتوا وهم يعتبرون أنفسهم في المراحل الابتدائية في هذا الميدان العلمي الواسع، لكن هؤلاء الوعاظ لم يتكلموا يوما عن كرامة الإنسان الموؤودة في هذا البلد ولا عن نهب الثروات واستغلال المناصب والنفوذ ولا عن مشاكل البطالة والصحة والطفولة المغتصبة، بل يشغلون الناس بقضايا كلامية بعيدة كل البعد عن الاهتمام بالشأن العام كمعاشرة الزوجة الميتة وإخراج الجن اليهودي وكيف يتعامل المؤمن الغبي مع هواتف الكفار الذكية، وبقي هؤلاء في إصرار مستمر على استعراض عضلاتهم ليظهروا لنا أنهم فطاحلة في فصاحة لغة الجنة، والتي بدورها أهانها أهلها وأصبحت يتيمة في زمن لا يؤمن بمقامات بديع الزمان .. لغة يقول الواقع أن لا وطن ولا أمة لها إلا ما يستعمل منها في الخطب الدينية والخطابات السياسية والطبخات الشعرية والإعلامية، في وطن لا يؤم أهله لغير المال والسلطة .. هكذا قدم لنا شيوخنا الوعاظ الموعظة الحسنة التي لم تعطينا في المقابل غير الضياع والتيه.

في الوقت الذي كانت فيه ألأمم تلقن لناشئيها العلوم والمعرفة الحقة وحب الوطن واحترام حقوق الإنسان والتعايش السلمي بين مكونات الوطن الواحد، من أجل الرقي بحياة مواطنيها، بقينا نحن لا نعرف بعد إن كنا مجبرين على التفكير والبحث والتحليل أو الاستمرار في مناقشة الشبهات المحرجة هل نلج الحمام بالرجل اليسرى أم اليمنى، فصرنا نحن المغضوب عليهم عملة نادرة في كل أسواق العالم تالفين بين الحلال والحرام والمستحب والمكروه لنخرج في ألأخير لا حمار لا ستة فرنك .

ورغم كل ما آل إليه وضع ألأمة اليوم من فساد وضياع وأمراض اجتماعية شتى بقي شيوخنا السذج متمسكين بكلامهم الموزون “نحن خير أمة أخرجت للناس” غير مبالين لكل ما أنتجته ألإنسانية من قيم وحضارة عبر ألأزمان.

ولكون أدوات العقل النقدي غائبة تماما عندهم صوروا لنا ذلك الكائن الذي يسمى “المرأة” شيطانا كائدا وفتنة غاوية ومن مبطلات الصلاة، بل اتفقوا بالإجماع على صحة أحاديثهم أن المرأة مجرد كائن قاصر مهما حازت من علوم ومعارف، فاتهمت في عقلها وجسدها حتى أصبحت تغتصب في الطرقات وداخل الحافلات وفي المؤسسات التعليمية وذلك بسبب تأثر شباب ألأمة ب “ثقافة الجهل العتيق” والتي تعني لا شراكة ولا محبة ولا مساواة ولا احترام، بل جميع بنود القوة وكافة قوانين الزجر والاستعباد والقهر بيد الذكور، الذكورة هنا تكفي هي العلم والمعرفة وميزان للتقوى أما ألإناث فهن للسخرة والاستمتاع أو الزواج بهن بالفاتحة أو بدونها.

لم يلتفت هؤلاء إلى العدل الإلهي ولا إلى الجنة التي تحت أقدامهن، ولكن كيف يلتفتون وأكثرهم ثنوا من النساء أو ثلثوا أو ربعوا وكان من الممكن أن يحمسوا لو وجدوا في النصوص متسع للمزيد من التأويل.

ظلم وحيف وبهتان وغرائب من قبل هؤلاء المجتهدون الورعون الذين يفسرون الآيات على إيقاع أهواء “أسيادهم” ليتحكموا في مصير شعب كامل يعلمون مسبقا أنه عاطفي ويتأثر تأثرا شديدا وسلبيا بكلامهم المعسول، فيأخذ السذج منه ألأفكار جاهزة مجهزة من أفواههم ليلحقها بأرشيف المسلم به في قواميسه المعرفية دون أدنى نقد أو مساءلة.

أتقياء أم أشقياء مثل هؤلاء الوعاظ جميعا هل هم جديرون بالثقة والعدالة فعلا .. لا نعتقد بذلك .. وكيف نثق بهم ونحن أمامنا شواهد كثيرة بالصوت والصورة تفضح علاقاتهم المشبوهة.

إن ما يحدث اليوم هو امتداد لتاريخ مجهول، تعلم ألأحرار منه درسا مفاده، أن كل الذين وعدوا الناس بالجنة لم يقدموا لهم إلا الجحيم في الدنيا.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *