كتاب وأراء

الحسيمة جنتي

عبد الوحيد خوجة

حناجر تصيح، وجوه باسرة، وأخرى ناظرة… رجال الحسيمة، نساؤها، أطفالها، يرددون بلهجة عربية دارجة، شعارات استلهمها المتظاهرون من وقائع تاريخية شهدها المكان في أزمنة متعددة، يقول الشعار “سلمية سلمية.. لاحجرة لاجنوية”.

الريف، تذكرت يوم جاءني في الثمانينيات من القرن الماضي رجل مسن من الذين كان يطلق عليهم لقب “الفقيه القباني” نسبة إلى قب الجلابة وليس إلى الشاعر نزار القباني. اقتسم الرجل مع عائلتي الارتواء من نفس المنبع، في جزء هامشي من الريف، سألني بصيغة عالمة: ما هو أصل كلمة الريف؟

سكت علني أنسيه السؤال لأنني لم أجد له جوابا. فهم ترددي، وقال مؤكدا: يبدو أنك لست على دراية بتاريخ المنطقة. ثم استوى في قعدته وقال: يحكى أنه عندما خرج النبي (ص) من مكة مهاجرا إلى المدينة بلغ مع صحابته مكانا اسمه إمزورن، غير بعيد عن الحسيمة، فاستعصى عليه المقام نظرا لصعوبة تضاريسه. فخطب النبي (ص)، يقول المحدث، في أصحابه قائلا: أيها الناس: ريّفوا.

سكت المتحدث كأنه ينتظر مني تعليقا، لكنني كنت أخفي حرجي لأنني ولقلة معرفتي بعلم الحديث تيقنت أن ما قاله الرجل ليس صحيحا، لكنه أمعن في السؤال وقال: وهل تعرف ما معنى ريفوا؟ سكتت ثانية، لكنه قال منتشيا: ريفوا معناها لغة هي: انتشروا. وهو ما يفسر انتشار أهل الريف في كافة البقاع والأصقاع وصعوبة مراسهم.

في نهاية مأساوية لحرب الريف، التي قادها البطل عبد الكريم الخطابي ضد القوات الاستعمارية الإسبانية والفرنسية، يتذكر الذين عايشوا تلك الفترة أن الأمير رفض أن يسلم نفسه إلى القوات الإسبانية مخافة التنكيل به وبعائلته فسلم نفسه للقوات الفرنسية. ومع ذلك بقي البطل إلى يومنا هذا يحمل لقب الأمير حتى ولو وضعه أهل الريف على رأس “جمهوريتهم” تأكيدا لنسبه الشريف المتصل بالصحابي الجليل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

جمهورية كان لها، كما يؤكد التاريخ، علم تتوسطه نجمة سداسية وهلال أخضر علامة التسامح والتساكن بين الأديان وأوراق نقدية من فئتي واحد ريفان وخمسة ريفان، صكها، في ظروف غير معروفة، ضابط أمريكي اسمه شارل جاردينير، الذي كان يقدم نفسه باعتباره وزيرا مفوضا لحكومة الريف.

بعد انكسار الخطابي سلم باقي المحاربين أنفسهم للسلطات الإسبانية. نفي البعض منهم إلى جزر النكور وباديس، واعتقل الآخرون، وانتهت بذلك حرب قيل وكتب عنها الكثير، وحُمّلت مالا تطاق، واستتب الأمر للسلطات الإسبانية لتبسط سيطرتها على شمال المغرب من طنجة إلى حدود مصب نهر ملوية شرق المغرب.

وشاءت مكائد التاريخ أن يختفي الأمير في مصر بمساعدة الحركة الوطنية القومية حيث سيعيش بعيدا عن أجديره إلى أن سلم روحه إلى بارئها. وستتشرذم العائلات القريبة منه في كل أصقاع المغرب ويذكر سكان الجديدة بكل خير العائلات الريفية التي نفيت إليها. بوجيبار، بوخلف، وغيرهما من العائلات التي أصبحت اليوم تعتبر جزءا من دكالة وربما نسي شباب هاتين العائلتين انتسابهم إلى الريف.

واستتب الأمر للاستعمار لسنوات بعد ذلك، فلا الريف استقل، ولا هو حافظ على جمهوريته، ولا الإسبان توقفوا عن نهب خيرات المنطقة.

في الحسيمة، عاصمة قبائل بني ورياغل المجاهدة، والتي تغنى بجمالها في سبعينيات القرن الماضي المرحوم المعطي بنقاسم (… أرنو إلى شفق جميل في الحسيمة جنتي)، غضب أنتج احتقانا بعد حادث مأساوي أدى إلى وضع متأزم تعاملت معه السلطات في البداية بالكثير من اللامبالاة.

علت أصوات وبرزت وجوه وترجم الغضب إلى مطالب واستحلى البعض البطولة. ولأن “الزمان مكان سائل”، فسينتهي الاحتقان بعد تفهم الجميع لطبيعة الوضع في المنطقة وسيتدخل الحكماء لامحالة لتهدئة الوضع حفاظا على قدسية الوطن، لكن الخوف هو أن يجد بعض الشباب أنفسهم يشخصون الفصل الأخير من مسرحية سعد الله ونوس الفيل يا ملك الزمان…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock